لماذا يصعّب الإنسان صناعة الجمال فيما حوله في الوقت الذي ينشده فيه؟! يتعالى صوت هذا السؤال في ذهني كلما مررت بالشوارع الرئيسة في الدمام والخبر والظهران وما يربط بينها من شوارع ينقصها الجمال الذي جاء نقصه من نقص الأنظمة والقوانين التي لا تجبر الآخرين على صناعته حين يكون كل تركيزهم على حقهم والحرص على زيادة مكاسبهم فقط، ففي السنوات الأخيرة بدأت الأبراج العالية تزداد على هذه الطرق ولكن أصحابها لا يفكرون إلا بجمالها هي فقط وليس لهم شأن بما حولها، فيستغلون الأرض من أول سنتيمتر فيها إلى آخر سنتيمتر منها في البناء فقط! ولا يهم بعد ذلك إن وجدت المواقف للسيارات أو لم توجد وكأن لسان حالهم يقول: فليدبر الناس أنفسهم، وليزدحم الشارع فالمهم ألا أخسر أنا! ومن الطبيعي في هذه الحالة ألا يهتموا بأن تزرع شجرة، أو أن تحتضن البرج أرصفة راقية ومميزة فيها بصمة ظاهرة للجمال بأي شكل كان… بل إنهم يعمدون إلى تشويه كل ما هو حولهم، وبالتحديد ما خلفهم من مساكن فوجئ أصحابها بين يوم وليلة بحجب النور عنهم حين انتصب ذلك البرج متعالياً فوق منازلهم، أو كأنه يبتلعها قطعة كاملة! فكيف يسمح لأصحابها بهذا النوع من البنيان الذي يفترض أن تكون حوله مساحات من الفراغ تسمح ببعض الحرية للمساكن التي استقر فيها أصحابها على مسافة خمسة عشر متراً فقط. هل يعقل أن تكون المساحة التي تفصل برجاً يتكون من عشرين طابقاً عن البيوت التي تتكون من طابقين فقط هي مساحة شارع صغير لا يختلف عن تلك التي تعزل البيوت الصغيرة في داخل الأحياء، وبأي حق يتسبب في ازدحام الشوارع من حوله بالسيارات لأنه لا يجهز المواقف اللازمة الخاصة به، والتي أصبحت ضرورة وحاجة ملحة؛ نظراً لكثرة السيارات التي يستخدمها من يسكن تلك الأبراج أو يعمل بها. هذه الأبراج تزايدت في السنوات القليلة الماضية وازداد معها تشويه الجمال الذي يفترض أن تضيفه هي للشوارع لا أن تسلبه منها. خذ على سبيل المثال برج التركي الذي ابتعد عن البيوت الملاصقة له بمسافة جمع فيها بين الحاجة العملية لمواقف السيارات وبين الجمال الذي صنع في حديقة صغيرة جميلة صارت تستغل اليوم لعمل مناشط اجتماعية مختلفة، وهناك أيضاً برج شركة السويدي بحي الصفا في الراكة فقد تركت خلف المبنى مساحة واسعة للمواقف وفي الوقت نفسه تبعده عن المساكن وتعطيهم مساحة للتنفس في بيوتهم، وعلى النقيض تماما هناك أبراج أخرى ارتفعت بعد هوليدي إن الظهران بشكل خلا من أي لمسة جمالية للمارة، وطغت على حق سكان المنازل من خلفهم وحجبت عنهم جزءا من الفضاء الذي يستحقونه!!
وما بين برج وآخر أو مجموعة معارض وأخرى على الطرق الرئيسية هناك مساحات فارغة كثيرة خالية بالتأكيد من أي لون أخضر يسر الناظرين، فهي مساحات ترابية فيها ما فيها من العيوب وكلها لا تكلف كثيراً لكي تتحول إلى منظر مقبول أو جميل نمر بالقرب منه ولكن ذلك لن يتم إلا عندما يلزم أصحابها بحجز مساوئها عن العيون، ولهذا يمكن أن تقدم أفكار متعددة منها أن تسور تلك المساحات بلوحات خشبية تستغل بالإعلانات الملونة الجميلة، أو كتابة عبارات جميلة ومؤثرة فيها شيء من التوجيه أو الحكمة أو الشعر أو الرسوم المبهجة.
لماذا يترك هذا الأمر (صناعة الجمال في الشوارع) لأصحاب المنشآت وملاك الأراضي فقط ونحن نعرف تماماً أنهم لا يفكرون إلا بالربح المادي والذي بامكانهم أن يحققوه أيضاً ولكن مع شيء من الجمال، أوليست الإعلانات تدر ربحاً عالياً ؟! فلماذا لا تلزم الأمانات أصحاب الشأن بتحقيق العنصر الجمالي حول كل بناء تجاري جديد أو أراض فارغة إلى أن يحين وقت استغلالها؟.